الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)


الشيخ عدي السهلاني
 

بسم الله الرحمن الرحيم


 

القائمة الرئيسية
القرآن الكريم
نهج البلاغة
أهل البيت (ع)
عقائد الإسلام
المكتبة الإسلامية
مقالات إسلامية
شخصيات إسلامية
المكتبة الصوتية
المكتبة المرأية
المكتبة المصورة
أدعية وزيارات
شبهات وردود
متفرقات
المناسبات الإسلامية
روابط تابعة
سجل الزوار
إتصل بنا
من نحن
بحث متقدم

 

 

ّّّ

ّ

من رحمة الله تبارك وتعالى بالبشرية عامة وبالمسلمين خاصة أن أرسل فيهم رسولاً منهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة.  كما كان من فضله ومنّه أن جعل لهذا النبي العظيم (صلى الله وعليه وآله) خلفاء من بعده يكملون مسيرته، ويأخذون بأيدي الناس الى طريق الصلاح والاستقامة، فجعلهم أئمة معصومين، سمّاهم النبي (صلى الله وعليه وآله) بأسمائهم، وقال عنهم: " إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض " .

من هؤلاء العترة الإمام الحسن (عليه السلام) سبط رسول الله، وكريم أهل البيت، قمّة من قمم الإنسانية الشامخة، وعملاق من عمالقة البطولة والفداء.

وُلِد الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الخامس عشر من شهر رمضان من السنة الثالثة ـ كما هو المشهور ـ أو الثانية من الهجرة النبوية الشريفة. ولمّا حملت به فاطمة الزهراء (عليها السلام) جاءت أم الفضل زوجة العباس إلى رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وقالت: " يا رسول الله! رأيت في المنام كأن عضواً من أعضائك قد سقط في حجري فقال (صلى الله وعليه وآله): " خيراً رأيت، تلد فاطمة غلاماً فتكفلينه وترضعينه "، فولدت فاطمة الحسن (عليه السلام)، فدفعه النبي إليها فرضعته بلبن قثم بن العباس " .

وعن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) أنّه قال: " لما ولدت فاطمة الحسن (عليه السلام) قالت لعلي (عليه السلام): سمّه. فقال: ما كنت لأسبق باسمه رسول الله. فجاء رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، فأُخرج إليه في خرقة صفراء، فقال: ألم أنهكم أن تلفوه في [ خرقة ] صفراء. ثمّ رمى بها، وأخذ خرقة بيضاء فلفّه فيها، ثم قال لعلي (عليه السلام): هل سميته؟ فقال: ما كنت لأسبقك باسمه ؟ فقال (صلى الله وعليه وآله): وما كنت لأسبق باسمه ربي عزّ وجل. فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جبرئيل أنّه قد وُلد لمحمد ابن فاهبط وأقرئه السلام وهنئه ، وقل له : إنّ عليا منك بمنزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون. فهبط جبرئيل (عليه السلام) فهنّأه من الله عزّ وجل، ثم قال: إنّ الله عزّ وجل يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون. قال: وما كان اسمه ؟ قال: شبّر. قال: لساني عربي. قال: سمّه الحسن، فسمّاه الحسن " .

وذكر المؤرخون من شمائله " إنّ الحسن بن علي كان أبيضاً مشرباً بحمرة دعج العينين سهل الخدين; رقيق المشربة، كث اللحية، كأن عنقه إبريق فضة، ربع ليس بالطويل ولا بالقصير، من أحسن الناس وجهاً، وكان يخضب بالسواد، وكان جعد الشعر حسن البدن " .

يقول واصل بن عطاء: " كان للحسن بن علي (عليهما السلام) سيماء الأنبياء وبهاء الملوك ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثل ما بلغ الحسن. كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس على البساط انقطع الطريق، فما مرَّ أحد من خلق الله إجلالاً له، فإذا قام ودخل بيته مرّ الناس واجتازوا، لقد رأيته في طريق مكة ماشيا، فما من خلق الله أحد رآه إلاّ نزل ومشى، حتى رأيت سعد بن أبي الوقاص يمشي خلفه ويقول:

يـا حجة الله الجـليل وعينـه وزعيم آلـه
 وابن الوصي المصطفى شبيه أحمد في كمالـه
 انت ابن بنت محمـد حذوا خلقت على مثالـه
 فضياء نورك نـوره وظلال روحك من ضلاله
 فيك الخلاص عن الردى وبك الهدايـة من ضلاله "

وكان الحسن المجتبى (عليه السلام) من أشبه الناس برسول الله (صلى الله وعليه وآله) فيما بين الصدر إلى الرأس ، وقد عاش (عليه السلام) مع جدّه رسول الله (صلى الله وعليه وآله) في طفولته الأُولى ليحتضنه الرسول، فيُلقي إليه في كل يوم من عقله عقلاً، ومن خُلقه خُلقاً، ومن هيبته هيبة، حتى قال عنه: " أمّا الحسن فإنّ له هيبتي وسؤددي " . وقال عنه أيضاً: " لو كان العقل رجلاً لكان ولدي الحسن " .

وتحدّث الرّواة عن مدى نبوغه الإمام الباكر، وكان لا يمرّ عليه شيء إلاّ حفظه، وكان يحضر مجلس جدّه ويسمع ما يلقيه (صلى الله وعليه وآله) فيحفظه بكامله، فينطلّق إلى أُمّه فيلقيه عليها، فتُحدّث به أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيتعجّب ويقول من أين لكِ هذا ؟ فتقول من ولدك الحسن .

الإمام الحسن (عليه السلام) والأُسرة النبوية

لا شك أنّ للأُسرة دوراً مهما في تشكيل شخصية الفرد، وإكسابه العادات التي تبقى ملازمة له طوال حياته، فهي البذرة الأُولى في تكوين النمو الفردي، والسلوك الاجتماعي، وهي أكثر فعالية في إيجاد التوازن في سلوك الشخص من سائر العوامل التربوية الأخرى كما إنّ من أهم وظائف الأُسرة الإشراف على تربية الأطفال، فإنّها مسؤولة عن عمليات التنشئة الاجتماعية التي يتعلم الطفل من خلالها خبرات الثقافة وقواعدها في صورة تؤهّله في مستقبل حياته من المشاركة التفاعلية مع غيره من أعضاء المجتمع.

والأسرة أول جماعة يعيش فيها الطفل ويشعر بالانتماء إليها، ويتعلم كيف يتعامل مع الآخرين في سعيه لإشباع حاجاته، كما تعتبر الأسرة الوحدة الاجتماعية البنائية الأساسية في المجتمع، وتنشأ منها مختلف التجمعات الاجتماعية، وتعتبر الأسرة هي الثمرة الطبيعية للزواج.

وبالتالي فالأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي تتلقّى المخلوق البشري منذ أن يفتح عينيه على النور، وهي الوعاء الذي تشكّل داخله شخصية الطفل تشكيلاً فردياً واجتماعياً، كما إنّها المكان الأنسب الذي تُطرح فيه أفكار الآباء والكبار ليطبّقها الصغار على مرّ الأيام.

وعلى ضوء ما تقدّم يمكن لنا الجزم بأنّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان نموذجا رائعاً في خصائصه ومقوّماته التي استمدها من أُسرته، فقد نشأ في أسرة تنتهي إليها كل مكرمة وفضيلة في الإسلام، فما أظلّت قبة السماء أسرة أسمى ولا أزكى من أُسرة آل الرسول (صلى الله وعليه وآله)، فقد نشأ الإمام الحسن (عليه السلام) في ظل جده النبي (صلى الله وعليه وآله) وأبيه الوصي (عليه السلام) وأمه سيدة نساء العالمين (عليها السلام).

نشأ الإمام الحسن (عليه السلام) في ظلّ الأُسرة النبوية، وتغذّى بطباعها وأخلاقها، وكان رسول الله (صلى الله وعليه وآله) هو المربي الأول للإمام (عليه السلام)، وكان كثير الاهتمام به، ولطالما أكّد (صلى الله وعليه وآله) على محبته ومحبة أخيه شهيد كربلاء، وهذا ما رواه السنة والشيعة، فعن أبي هريرة عن النبي (صلى الله وعليه وآله) أنّه قال: " من أحبّ الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني " .

وقال (صلى الله وعليه وآله) عنه وعن أخيه أيضا: " من أحب الحسن والحسين أحببته، ومن أحببته أحبّه الله، ومن أبغضهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله ".

وهكذا عاش الإمام الحسن (عليه السلام) مع أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) يتعهّده بكل وصاياه ويرعاه بكل روحانيته، ويتحرّك معه بكل ما ينفع مستواه وينمي عقله، ويغذي روحه، ويركز موقعه، ويثبت موقفه، ويناجيه بكل أسراره في الليل والنهار.

فمن جملة الوصايا التي وصّاها به هو قوله (عليه السلام) : " يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يُحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارضَ من الناس بما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم وإن قل ما تعلم، ولا تقل ما لا تُحب أن يقال لك، واعلم أنّ الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب، فاسع في كدحك، ولا تكن خازنا لغيرك، وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك... "

كما وعاش الإمام الحسن (عليه السلام) مع سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) أكثر من سبع سنين، استطاعت الزهراء (عليها السلام) من خلالها تربية ولدها الحسن (عليه السلام) على الأُسس الإسلامية الصحيحة، وبثّت في نفسه المُثُل العليا التي ورثتها من أبيها النبي (صلى الله وعليه وآله) وبعلها الوصي (عليه السلام)، كما وأنمت في نفسه حبّ الخير للناس، كيف لا وهو يراها تقوم في محرابها في ليلة الجمعة فلم تزل راكعة ساجدة حتى يتّضح عمود الصباح، ثمّ تدعو للمؤمنين والمؤمنات، وتُسميّهم بأسمائهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، وعندما يسألها عن سبب دُعائها للغير وعدم دعائها لنفسها تجدها تقول: " الجار ثمّ الدار " . هذا بالإضافة ـ طبعاً ـ إلى ما غمرته به من حبها وعطفها وحنانها، وبالتالي ساهمت مساهمة فعّالة في تكوين شخصيته الاستقلالية، والشعور بذاتياته.

لقد تركت تربية الرسول الأعظم (صلى الله وعليه وآله) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وسيدة نساء العالمين(عليها السلام) للإمام الحسن (عليه السلام) آثارها على سلوك الإمام بحيث كان مثال الكمال النبوي والعلوي والفاطمي، ونكتفي في بيان ذلك بما قاله الإمام زين العابدين وسيد الساجدين (عليه السلام) عن موجز الحالات الروحية التي كان يعيشها الإمام الحسن (عليه السلام) والتي يصورها لنا الإمام (عليه السلام) حيث يقول: " إنّ الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشيا، وربما مشى حافيا، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، وسأل الله تعالى الجنة، وتعوّذ به من النار، وكان (عليه السلام) لا يقرأ من كتاب الله عز وجل ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ قال: لبيك اللهم لبيك، ولم ير في شيء من أحواله إلا ذاكرا لله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجة، وأفصحهم منطقا " .

ولا شك أنّ المنافقين وأعداء الإسلام لا يتقبّلون وجود هكذا شخصية، شخصية تمثّل الإسلام والخير بكل معانيه، ولهذا عمد معاوية إلى قتل الإمام (عليه السلام)، فكتب إلى ملك الروم إني أريد أن اقتل ابن الذي ظهر بتهامة فابعث لي سمّاً قتّالاً لتوه، فبعث إليه ملك الروم أنّ السمّ الذي طلبته موجود عندنا، ولكن هذا لا يشرع أن تسقيه أحد في ملتنا، فبعث إليه ما يغريه به، فبعث إليه السم، ومن يده إلى يد مروان بن الحكم، ومن يد مروان إلى يد جعدة بنت الأشعث، هذه المرأة التي خانت الله وخانت الرسول وخانت زوجها، فجاءت إليه بقدح اللبن المسموم وكان الإمام صائماً وفي يوم صائف وفي حر الحجاز ما إن تجرع الإمام منه جرعة حتى أحسّ بأنّ أحشاءه تتقطع.

هذا وقد أخذ السمّ في الإمام الحسن (عليه السلام) مأخذاً كبيراً، وكان رأسه في حجر أخيه الحسين (عليه السلام) وهو يقذف بين الحين والآخر أحشاءه في الطشت قطعة قطعة، حتى فاضت روحه الطاهرة.

وكان ذلك في السابع من صفر، وقيل في الثامن والعشرين منه، وله يومئذ ثمان وأربعون سنة. ومكان شهادته في المدينة المنورة. ودفن في مقبرة البقيع.  فالسلام عليه يوم وُلِد ويوم استُشهد ويوم يبعث حيا.

 

الصفحة الرئيسية