أسباب نزول القرآن
أهَمِيَّتُها، طُرُقُها، حُجِيَّتُها، مَصادِرُها


السيد محمد رضا الحسيني


بسم الله الرحمن الرحيم


مقدمة

القائمة الرئيسية
القرآن الكريم
نهج البلاغة
أهل البيت (ع)
عقائد الإسلام
المكتبة الإسلامية
مقالات إسلامية
شخصيات إسلامية
المكتبة الصوتية
المكتبة المرأية
المكتبة المصورة
أدعية وزيارات
شبهات وردود
متفرقات
المناسبات الإسلاميةروابط تابعة
سجل الزوار
إتصل بنا
من نحن
بحث متقدم

ّ

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام علىأشرف الخلائق وخير المرسلين ، سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه ، وعلى الائمة المعصومين من آله المنتجبين ، صلاة وسلاما دائمين الى يوم الدين.
وبعد ، لا ريب أن اهتمام المسلمين انصب ـ منذ فجر الاسلام ـ على تفسير القرآن الكريم توصلا الى العمل به، وتطبيقه.
وكان التفسير في بداية أمره يعتمد عنصر الابانة والايضاح بالكشف عن معنى اللفظ لغويا ، وعن مدلوله عرفيا ، واظهار ذلك بألفاظ اُخرى أكثر استعمالا وأسرع دلالة عند العرف العام ، وهذا ما تدل عليه كلمة ( التفسير ) بالذات.
ويجد المتتبع أن أكثر التفاسير المصنفة في القرنين الاول والثاني تعتمد هذا الشكل من التفسير ، كتفسير مجاهد ( المتوفى سنة 104 ) ، وزيد الشهيد ( سنة 122 ) ، وعطاء الخراساني ( ت133 ) وغيرهم.
وهذا المنهج التفسيري يبتني في الاغلب على ما ذكره الصحابة وكبار التابعين ، وأكثر من نقل عنه ذلك هو الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ( ت68 ) (1) الذي يعد من
____________
1 ـ جمع الجلال السيوطي ما نقل عن ابن عباس في هذا المعنى في كتابه : الاتقان في علوم القرآن ( ج2 ص6 ـ 106 ).


( 20 )


رواد علم التفسير والمشهورين بعلم القرآن ، حتى لقب بـ « ترجمان القرآن »(2).


وكان جل تلمذته على الامام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، حتى شهد الإمام في حقه ، بقوله : « كأنما ينظر الى الغيب من ستر رقيق »(3).


وهذا الشكل من التفسير يرتكز ـ كما أشرنا ـ على المعلومات اللغوية فيتناول الالفاظ الغريبة الواردة في القرآن بالشرح والبيان وايراد ما فيها من مجاز في الكلمة أو الاسناد أو حذف أو تقدير أو نحو ذلك من التصرفات اللفظية.


قال الاستاذ فؤاد سزگين ـ بعد أن عدد تلاميذ ابن عباس في علم التفسير ـ : « تضم تفاسير هؤلاء العلماء وكذلك تفسير شيخهم توضيحات كثيرة ذات طابع لغوي أحرى أن تسمى : دراسة في المفردات »(4).


وانصب جهد المفسرين في مرحلة تالية على معرفة الحوادث المحيطة بنزول القرآن ، لما في ذلك من أثر مباشر على فهم القرآن والوصول الى مغزى الايات الكريمة ، لان موارد النزول والمناسبات التي تحتف بها تضم قرائن حالية تكشف المقاصد القرآنية ، ويستدل بها على سائر الابعاد المؤثرة في تحديدها وتفسيرها ، ويسمى هذا ـ الجهد ( بمعرفة أسباب النزول ) في مصطلح مؤلفي علوم القرآن.


وقد ساهم كثير من الصحابة ، الذين شهدوا نزول الوحي ، وعاصروا الحوادث المحتفة بذلك ، وحضروا المشاهد ، وعاشوا القضايا التي نزلت فيها الايات ، في بيان هذه الاسباب بالادلاء بمشاهداتهم من أسباب النزول.


واستند المفسرون الى تلك الاثار في مجال التفسير مستعينين بها على فهم القرآن وبيان مراده.


ويجدر أن يسمى هذا الشكل من الجهد التفسيري بمنهج « التفسير التاريخي ».


وقد أشار بعض علماء التفسير الى هذين الشكلين من الجهد بقوله : اعلم أن التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن. وبيان المراد ، أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره ، وبحسب المعنى الظاهر وغيره.


____________


2 ـ لاحظ الفقيه والمتفقه للخطيب ( ص ) ، تأسيس الشيعة للسيد الصدر ( ص322 ).


3 ـ سعد السعود لابن طاووس ( ص287 و296 ) ، البرهان في علوم القرآن للزركشي ( ج1 ص8 )


4 ـ تاريخ التراث العربي ( المجلد الاول ج1 ص177 ).


( 21 )


والتفسير : اما أن يستعمل في غريب الالفاظ ، واما في كلام متضمن لقصة لا يمكن تصويره الا بمعرفتها (5).


ولقد وجدت فراغاً في الكتب المتعرضة لاسباب النزول سواء العامة لكل الآيات ، أو الخاصة ببعضها ، حيث أغفلت جانب أسباب النزول من حيث أهميتها ، وطرق اثباتها وحجيتها ، وأخيرا ذكر مصادرها المهمة.


فأحببت أن اقدم هذا البحث عسى أن يسد هذا الفراغ ، أو يجد فيه المتخصصون تحقيقا منهجيا لم يتكفل استيعابه المؤلفون لكتب علوم القرآن على الرغم من تعرض بعضهم له.


عصمنا الله من الخطأ والزلل في القول والعمل.

 

  السيد محمد رضا الحسيني
 


____________


5 ـ الإتقان ، للسيوطي ( ج4 ص193 ) ، ولاحظ الذريعة ( ج3 ص34 ).


( 22 )


 

( 1 ) أهميتها


اهتم المفسرون بذكر أسباب النزول ، فجعلوا معرفتها من الضروريات لمن يزيد فهم القرآن والوقوف على أسراره ، وأكد الائمة على هذا الاهتمام ، فجعله الامام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام من الامور التي لو لم يعرفها المتصدي لمعرفة القرآن لم يكن عالما بالقرآن ، فقال عليه السلام :


اعلموا رحمكم الله أنه من لم يعرف من كتاب الله : الناسخ والمنسوخ ، والخاص والعام ، والمحكم والمتشابه ، والرخص من العزائم ، والمكي من المدني ، وأسباب التنزيل... ، فليس بعالم القرآن ، ولا هو من أهله (6).


ومن هنا نعرف سر عناية الامام أميرالمؤمنين علي عليه السلام بأمر نزول القرآن ومعرفة أسبابه ومواقعه ، فقد كان يعلن دائما عن علمه بذلك ، ويصرح باطلاعه الكامل على هذا القبيل من المعارف الاسلامية :


ففي رواية رواها أبو نعيم الاصبهاني في « حلية الاولياء » عن الامام علي عليه السلام أنه قال : والله ما نزلت آية الا وقد علمت فيما انزلت! وأين انزلت! ان ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤولا (7).


وقال عليه السلام : والله ما نزلت آية في ليل أو نهار ، ولا سهل ولا جبل ، ولا بر ولا بحر ، الا وقد عرفت أي ساعة نزلت! أو في من نزلت! (8).


واذا كان أمر نزول القرآن ـ ومنه أسبابه ـ بهذه المثابة من الاهمية عند الامام علي عليه السلام ، وهو القمة الشماء بين العارفين بالقرآن وعلومه ، بل هومعلم القرآن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كما في الحديث عن أنس بن مالك ، قال النبي : عليّ يعلّم الناس بعدي من تأويل القرآن ما لا يعلمون يخبرهم. [ شواهد التنزيل ج1 ـ ص29 ].


____________


6 ـ بحارالانوار للمجلسي ( ج93 ص9 ) نقلا عن تفسير النعماني.


7 ـ تأسيس الشيعة ( ص 318 ) ، وسيأتي في نهاية هذا البحث ذكر أحاديث اخرى بهذا المضمون.


8 ـ تفسير الحبري ، الحديث ( 37 و74 ) ، شواهد التنزيل للحسكاني ( ج1 ص280 ) ، وسنتحدث في خاتمة هذا البحث عن ارتباط الامام بالقرآن.


( 23 )


وقال المفسر ابن عطية : « فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب » (9).


فإن أهمية أسباب النزول ومعرفتها تكون واضحة ، حيث تعد من الشروط الاساسية لمن يريد التعرف على القرآن.


وقد أفصح عن ذلك الاعلام والمؤلفون أيضاً :


قال الواحدي : اذ هي [ يعني الاسباب ] اولى ما يجب الوقوف عليها ، فأولى أن تصرف العناية اليها ، لامتناع معرفة تفسير الاية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصّتها و بيان نزولها (10).


وقال السيد العلامة الفاني : وأما وجه الحاجة الى شأن نزول الايات ، فلان الخطأ في ذلك يفضي الى اتهام البريء وتبرئة الخائن ، كما ترى أن بعض الكتاب القاصرين عن درك الحقائق ، يذكرون أن شأن نزول آية تحريم الخمر انما هو اجتماع علي عليه السلام مع جماعة في مجلس شرب الخمر ، مع أن التاريخ يشهد بكذب ذلك ، ونرى بعضهم يقول : ان قوله تعالى : « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله » انما نزلت في شأن ابن ملجم (11).


وقال الدكتور شواخ : نزل القرآن منجما على النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حسب مقتضيات الامور والحوادث ، وهذا يعني أن فهم كثير من الايات القرآنية متوقف على معرفة أسباب النزول ، وهي لا تخرج عن كونها مجرد قرائن حول النص ، وقد حرم العلماء المحققون الاقدام على تفسير كتاب الله لمن جهل أسباب النزول.


ولذا كان الاقدام على تفسير كتاب الله تعالى محرما على اولئك الذين يجهلون أسباب النزول ويحاولون معرفة معنى الاية ، أو الايات دون الوقوف على أسباب نزولها وقصتها (12).


وبلغ اهتمام علماء القرآن بأسباب النزول الى حد عده من أهم أنواع علوم


____________


9 ـ المحررالوجيز ( ج1 ص8 ـ 9 ) من مخطوطة دار الكتب المصرية رقم ( 168 ) تفسير ، بواسطة البرهان للزركشى ( ج1 ص8 ) بتحقيق أبو الفضل ابراهيم.


10ـ أسباب النزول للواحدي ( ص4 ).


11ـ آراء سماحة السيد العلامة الفاني ( حول القرآن ) ( ص29 ).


12 ـ معجم مصنفات القرآن الكريم ( ج1 ص6 ـ 127 ).


( 24 )


القرآن.


فجعله برهان الدين الزركشي أول الانواع في كتابه القيم « البرهان في علوم ـ القرآن ».


وأفرد له السيوطي « النوع التاسع » من كتابه القيم « الاتقان في علوم القرآن » بعنوان « معرفة أسباب النزول ».


وسنأتي في الفقرة الاخيرة من هذا البحث على ذكر المصادر العامة والخاصة لهذا الموضوع.


وبالرغم من الاهمية البالغة لاسباب النزول ، فقد عارض بعض هذا الاهتمام ، مستندا الى امورمن الضروري عرضها ثم تقييمها :


الامر الاول : انه لا أثر لهذا العلم في التفسير :


قال السيوطي : زعم زاعم أنه لا طائل تحت هذا الفن [ أي فن أسباب النزول ] لجريانه مجرى التاريخ (13).


ومع مخالفة هذا الادعاء لما ذكره الائمة والعلماء كما عرفنا تصريحهم بأن معرفة أسباب النزول مما يلزم للمفسر حيث لا يمكن الوقوف على التفسير بدونه ، بل يحرم كما قيل.


فقد رد السيوطي على هذاالزعم بقوله : وقد أخطأ في ذلك ، بل له فوائد :


منها : معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.


ومنها : تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.


ومنها : أن اللفظ قد يكون عاما ، ويقوم الدليل على تخصيصه ، فاذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته ، فان دخول صورة السبب قطعي.


ومنها : دفع توهم الحصر (14).


الامر الثاني : ان المورد لا يخصص.


واعترض أيضا : بأن ما يستفاد من أسباب النزول هو تعيين موارد أحكام الايات وأسبابها الخاصة ، ومن المعلوم أن ذلك لا يمكن أن يحدد مداليل الايات ولا


____________


13 ـ الاتقان ( ج1 ص107 ).


14 ـ المصدر السابق ( ج1 ص7ـ 109 ).


( 25 )


يخصص عموم الاحكام ، وقد عنون علماء اصول الفقه لهذا البحث بعنوان : « ان المورد لا يخصص الحكم ».


قال الاصولي المقدسي : اذاورد لفظ العموم على سبب خاص لم يسقط عمومه ، وكيف ينكر هذا ، وأكثر أحكام الشرع نزلت على أسباب كنزول آية الظهار في أوس ابن الصامت ، وآية اللعان في هلال بن امية ، وهكذا (15) .


والجواب عنه أولا : ان البحث الاصولي المذكورلا يمس المهم من بحث أسباب النزول ، لان البحث الاصولي يتوجه الى شمول الاحكام المطروحة في الايات لغير مواردها ، وعدم شمولها ، فالبحث يعود الى أن الاية هل تدل على الحكم في غير موردها أيضا كما تشمل موردها ، أو لا تشمل الا موردها دون غيره؟


ففي صورة الشمول لغير موردها أيضا ، يمكن الاستدلال بظاهرها الدال بالعموم على الحكم في غير المورد.


وأما بالنسبة الى نفس المورد فلا بحث في شمول الآية له ، فان شمول الآية له مقطوع به ومجزوم بارادته بدلالة نص الاية ، وهي قطعية لا ظنية ، حيث أن المورد لا يكون خارجا عن الحكم قطعا ، لان اخراجه يستلزم تخصيص المورد ، وهو من أقبح أشكال التخصيص وفاسد باجماع الاصوليين.


قال المقدسي في ذيل كلامه السابق ، في حديث له عن الايات النازلة ـ للاحكام في الموارد الخاصة ، ما نصه : فاللفظ يتناولها [ أي الموارد الخاصة ] يقينا ، ويتناول غيرها ظنا ، اذ لا يسأل عن شيء فيعدل عن بيانه الى غيره... فنقل الراوي للسبب مفيد ليبين به تناول اللفظ له يقينا ، فيمتنع من تخصيصه (16).


وقال السيوطي : اذا عرف السبب قصر التخصيص على ماعدا صورته ، فان دخول صورة السبب قطعي واخراجها بالاجتهاد ممنوع كما حكى الاجماع عليه القاضي أبو بكر في « التقريب » ولا التفات الى من شذ فجوز ذلك (17).


____________


15 ـ روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة المقدسي ( ص5 ـ 206 ) ، وانظر الاتقان للسيوطي ( ج1 ـ ص110 ).


16 ـ روضة الناظر ( ص206 ).


17 ـ الاتقان ( ج1 ص107 ).


( 26 )


اذن لا تسقط فائدة معرفة أسباب النزول من خلال البحث الاصولي المذكور ، بل تتأكد.


وثانيا : ان الرجوع الى أسباب النزول قد لا يرتبط ببحث العموم والخصوص في الحكم ، وانما يتعلق بفهم معنى الاية وتشخيص حدود موردها وتحديد الحكم نفسه من حيث المفهوم العرفي ، لا السعة والضيق في موضوعه كما اشير اليه سابقا ، ولنذكر لذلك مثالا :


قال الله تبارك وتعالى : « ان الصفا والمروة من شعائر الله ، فمن حج البيت أو اعتمر ، فلا جناح عليه أن يطوف بهما ، ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم » سورة البقرة ( 2 ) الاية ( 158 ).


قال السيوطي : ان ظاهر لفظها لا يقتضي أن السعي فرض ، وقد ذهب بعضهم الى عدم فرضيته ، تمسكا بذلك ( 18 ).


ووجه ذلك أن قوله تعالى : « لا جناح » يدل على نفي البأس والحرج فقط ، ولا يدل على الالزام والوجوب ، فان رفع الجناح لا يستلزم الوجوب لكونه أعم منه ، فكل مباح لا جناح فيه ، والواجب ـ أيضا ـ لا جناح فيه ، لكن فيه الزام زيادة على المباح ، ومن الواضح أن العام لا يستلزم الخاص.


لكن هذا الاستدلال بظاهر الاية مردود ، بأن ملاحظة سبب نزولها يكشف عن سر التعبير بـ « لا جناح » فيها ، وذلك : لان أهل الجاهلية كانوا يضعون صنمين على الصفا والمروة ، ويتمسحون بهما لذلك ، ويعظمونهما ، وكان المسلمون بعد كسر الاصنام يتحرجون من الاقتراب من مواضع تلك الاصنام توهما للحرمة ، فنزلت الآية لتقول للمسلمين : ان المواضع المذكورة هي من المشاعر التي على المسلمين أن يسعوا فيها فانها من واجبات الحج ، وأما قوله تعالى : « لا جناح » فهو لدفع ذلك التحرج المتوهم.


فهذا الجواب يبتني على بيان سبب النزول كما أوضحنا ولا يمس البحث الاصولي المذكور بشيء.


وقد أورد السيوطي في « الاتقان » أمثلة اخرى ، مما يعتمد فهم الايات فيها


____________


18 ـ المصدر السابق ( ج1 ص109 ).


( 27 )


على أسباب النزول (19).


وثالثا : ان هذا البحث الاصولي انما يجري في آيات الاحكام كما يظهر من عنوانهم له ، دون غيرها ، وسيأتي مزيد توضيح لهذا الجواب فيما يلي.


وقد أثار ابن تيمية شبهة حول أهمية أسباب النزول تعتمد على أساس هذا الاعتراض ، ملخصها : أن نزول الاية في حق شخص ـ مثلا ـ لا يدل على اختصاص ذلك الشخص بالحكم المذكور في الاية ، يقول : قد يجيء كثيرا في هذا الباب ـ قولهم : « هذه الاية نزلت في كذا » لا سيما اذا كان المذكور شخصا كقولهم : ان آية الظهار نزلت في امرأة ثابت بن القيس ، وان آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله.


قال : فالذين قالوا ذلك ، لم يقصدوا أن حكم الاية يختص باولئك الاعيان دون غيرهم ، فان هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الاطلاق ، والناس ـ وان تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب ، هل يختص بسببه؟ ـ فلم يقل أحد : ان عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين ، وانما غاية ما يقال انها تختص بنوع ذلك الشخص ، فتعم ما يشبهه.


والاية التي لها سبب معين ، ان كانت أمرا أو نهيا ، فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته ، وان كانت خبرا بمدح أو ذم ، فهي متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته (20).


والجواب عن هذه الشبهة :


أولا : ان ما ذكره من « لزوم تعميم الحكم ، وعدم قابلية الاية للتخصيص بشخص معين » انما يبتني على فرضين :


1 ـ أن يكون الحكم الوارد في الاية شرعيا فقهيا.


2 ـ أن يكون لفظ الموضوع فيها عاما.


وهذان الامران متوفران في الامثلة التي أوردها ، كما هو واضح.


أما اذا كانت الاية تدل على حكم غيرالاحكام الشرعية التكليفية أو الوضعية ، أو كان الموضوع فيها بلفظ خاص لا عموم فيه ، فان ما ذكره من لزوم التعميم وامتناع


____________


19 ـ المصدر نفسه ( ج1 ص8 ـ 109 ).


20 ـ المصدر نفسه ( ج1 ص112 ).


( 28 )


التخصيص ، باطل.


توضيح ذلك : ان البحث عن أسباب النزول ليس خاصا بايات الاحكام ـ وهي الايات الخمسمائة المعروفة ـ بل يعم كل الايات بما فيها آيات العقائد والقصص والاخلاق وغيرها ، ومن الواضح أن من غير المعقول الالتزام بعموم الاحكام الواردة فيها كلها.


مثلا : قصة موسى وفرعون وبني اسرائيل ، بمالها من الخصوصيات المتكررة في القرآن ، لا معنى للاشتراك فيها ، فهي قضية في واقعة انما ذكرت للاعتبار بها ، ويستفاد منها في مجالاتها الخاصة.


وكذلك اذا كان الموضوع خاصا لا عموم فيه ، فان القول باشتراك حكم الاية بينه وبين من يشبه ، شطط من القول. قال السيوطي في آية نزلت في معين ولا عموم للفظها : انها تقصر عليه قطعا ـ وذكر مثالا لذلك ، ثم قال ـ : ووهم من ظن أن الاية عامة في كل من عمل عمله ، اجراء له على القاعدة ، وهذا غلط ، فان هذه الاية ليس فيها صيغة عموم (21).


وقوله تعالى : « ان شانئك هو الابتر » سورة الكوثر ( 108 ) الاية ( 3 ) فانها نزلت في العاص الذي كان يعير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بعدم النسل والذرية ، فعبرت عن ذمه وحكمت عليه بأنه هو الابتر ، وباعتبار كون الموضوع « شانئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم » فهو خاص معين ، وهذا يعرف من خلال المراجعة الى سبب النزول ، فهل القول باختصاص الحكم في الاية بذلك الشخص فيه مخالفة للكتاب أو السنة ، حتى لا يقول به مسلم أو عاقل! كما يدعيه ابن تيمية.


لكنه خلط بين هذه الموارد ، وبين ما مثل به من مواردالحكم الشرعي بلفظ عام ، فاستشهد بتلك على هذه ، وهذا من المغالطة الواضحة.


ونجيب عن الشبهة ، ثانيا : بأن الاية لو كانت تدل على حكم شرعي ، وكان لفظ الموضوع فيها عاما الا أنا عرفنا من سبب النزول كون موردها شخصا معينا باعتباره الوحيد الذي انطبق عليه الموضوع العام ، أو كان الظرف غير قابل للتكرار ، فان من الواضح أن حكم الآية يكون مختصا بذلك الشخص وفي ذلك الظرف ، ولا يمكن


____________


21 ـ المصدر نفسه ( ج1 ص12 ـ 113 ).


( 29 )


القول باشتراك غيره معه.


مثال ذلك ، قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا اذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر... » سورة المجادلة ( 58 ) الاية ( 12 ).


فان المكلف في الاية عام ، وهم كل المؤمنين ، والحكم فيها شرعي وهو وجوب التصدق عند مناجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لكن هذا لا يمنع من اختصاص الاية بشخص واحد ، فعند المراجعة الى أسباب النزول نجد أن الامام عليا عليه السلام كان هو العامل الوحيد بهذه الاية ، حيث كان الوحيد الذي تصدق وناجى الرسول صلى الله عليه وآله ، ونسخت الاية قبل أن يعمل بها غيره من المسلمين.


فهل يصح القول بأن الاية عامة ، وما معنى الاشتراك في الحكم لو كانت الاية منسوخة؟ وهل في الالتزام باختصاص الاية مخالفة للكتاب والسنة؟


واذا سأل سائل عن الحكمة في تعميم الموضوع في الاية ، مع أن الفرد العامل منحصر؟


فمن الجائز أن تكون الحكمة في ذلك بيان أن بلوغ الامام عليه السلام الى هذه المقامات الشريفة كان بمحض اختياره وارادته ، من دوه أن يكون هناك جبر يستدعيه أو أمر خاص به ، وانما كان الامر والحكم عاما ، لكنه أقدم على الاطاعة رغبة فيها وحبا للرسول ومناجاته ، وأحجم غيره عنها ، مع أن المجال كان مفسوحا للجميع قبل أن تنسخ الاية ، فبالرغم من ذلك لم يعمل بها غيره.


ولا يمكن أن يفسر اقدامه وتقاعسهم الا على أساس فضيلته عليهم في العلم والعمل ، وتأخرهم عنه في الرتبة والكمال.


وبمثل هذه الحكمة يمكننا أن نوجه افتخارالامام عليه السلام بكونه العامل الوحيد بهذه الاية.


فقد روى الحبري في تفسيره (22) بسنده ، قال : قال على : آية من القرآن لم يعمل بها أحد قبلي ، ولا يعمل بها أحد بعدي ، انزلت آية النجوى [ الاية ( 12 ) من سورة المجادلة ( 58 ) ] فكان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم ، فكنت اذا أردت أن اناجي النبي صلى الله عليه تصدقت بدرهم حتى فنيت ثم نسختها الاية التي بعدها : « فان لم


____________


22 ـ تفسير الحبري ـ بتحقيقنا ـ الحديث ( 66 ) ( ص47 ) من الطبعة الاولى.


( 30 )


تجدوا فان الله غفور رحيم » (23)


ولا بد من الوقوف عند اعتراض ابن تيمية على أهمية أسباب النزول ، لنذكر بأنه انما أثار مثل هذه الشبهة محاولة منه لتقويض ما استدل به معارضوه ، حيث استدلوا بنزول الايات في أهل البيت عليهم السلام ، بدلالاتها الواضحة على فضلهم وأحقيتهم لمقام الولاية علىالامة ، والخلافة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قيادة المسلمين.


وحيث لم يكن لابن تيمية طريق للتشكيك في أسانيد الروايات الدالة على نزولها في فضل أهل البيت عليهم السلام ولا سبيل للنقاش في دلالتها على المطلوب ، عمد الى اثارة مثل هذه الشبهة بانكار أهمية أسباب النزول عموما ، والتشكيك في امكان الاستفادة منها في خصوص الايات النازلة بحقهم عليهم السلام.



 

2 ـ طرق اثباتها


لا ريب أن تعيين أسباب النزول وتمييز الصحيح منها عن ما ليس بسبب ، عند الاختلاف ، يحتاج الى طرق مشخصة ، سنستعرضها فيما يلي.


ولكني أرى أن أهم شيء يجب تحصيله في هذا المجال هو تحديد المقصود لكلمة « أسباب النزول » لكي نعتمد خلال البحث والمناقشة معنى واحدا ، فلا تختلط موارد النفي والاثبات ، ولا تتداخل الادلة والردود.


نقول : ان الظاهر من كلمة « سبب » هو العلة الموجبة ، ولو التزمنا بهذا المعنى فان ذلك يقتضي حصر موضوع « أسباب النزول » بما كان علة لنزول الآية ، وأن الاية


____________


23 ـ ذكر هذا الحديث مرفوعا عن علي عليه السلام في عدة من التفاسير والمصادر الحديثية مثل : تفسير ـ القرطبي (17| 302 ) ، وابن جرير ( 28|15 ) ، وابن كثير ( 4|327 ) ، ومثل : كنز العمال ( 3|155 ) ، ومناقب ـ ابن المغازلي ( ص114 وص325 ) ، وكفاية الطالب للكنجي ( ص135 ) ، وأحكام القرآن للجصاص ( ج3 ـ ص526 ) ، والدر المنثور ( 6|185 ).


ورواه في الرياض النضرة للطبري ( 2|265 ) عن ابن الجوزي في أسباب النزول ، وذكره الواحدي في أسباب النزول ( ص276 ) ، وانظر : جامع الاصول للجزري ( 2|2 ـ 453 ) ، وفتح القدير ( 5|186 ).


نقلنا هذه التخريجات من تفسير الحبري ، تخريج الحديث ( 66 ).


( 31 )


نزلت من أجله ، وعليه فان أسباب النزول هي القضايا والحوادث التي وردت الايات من أجلها وفي شأنها ، أو نزلت مبينة لحكم ورد فيها ، أو نزلت جوابا عن سؤال مطروح.


لكن لابد من الاعراض عن هذا الظاهر ، لان الالتزام بهذا المعنى غير صحيح لوجهين :


الاول : ان هذا المعنى بعيد أن يقصده علماء الاسلام وخاصة في مجال علوم القرآن ، لان السبب بهذا المعنى اصطلاح فلسفي لم يتداوله المسلمون الا في القرون المتأخرة ، وعلى ذلك : فلابد من حمل كلمة « سبب » على معناها اللغوي ، وهو « ما يتوصل به الى أمر » ، وهذا يعم ما فيه سببية بالمصطلح الفلسفي ، أو يكون مرتبطا به بشكل من الاشكال ، فسبب النزول هو « كل ما يتصل بالاية من القضايا والحوادث والشؤون » ، سواء كانت علة نزلت الاية من أجلها أو لم تكن كذلك ، بل ارتبطت بالنزول ولو بنحو الظرفية المكانية أو الزمانية أو الاقتران ، وما شابه.


الوجه الثانى : ان ملاحظة ما ذكره المفسرون وعلماء القرآن من أسباب نزول الايات تدلنا بوضوح على أن مرادهم به ليس هو خصوص ما كان سببا بالمصطلح الفلسفي ، بأن يكون علة نزلت الاية من أجله ، وانما يذكرون تحت عنوان « سبب النزول » كل القضايا التي كان النزول في اطارها ، وما يرتبط بنزول الايات بنحو مؤثر في دلالتها ومعناها ، بما في ذلك الزمان والمكان ، وان لم يتقيد ذلك حتى بالزمان والمكان ، ولذلك فان سبب النزول يصدق على ما يخالف زمان النزول بالمضي والاستقبال.


وقد لا تكون أسباب النزول ، الا خصوصيات في موارد التطبيق تعتبر فريدة ، فهي تذكر مع الاية لمقارنة حصولها عند نزولها ، ككون العاملين بالاية متصفين ببعض الصفات ، أو تعتبر مقارنات نزول الاية لعمل شخص ميزة وفضيلة له.


الى غير ذلك مما يضيق المجال عن ايراد أمثلته وتفصيله ، فإن جميع هذه الموارد يسمونها في كتبهم بـ « أسباب النزول » بينما ليس في بعضها سببية للنزول بالمصطلح الاول.


فالمصطلح القرآني لكلمة « أسباب النزول » نحدده بقولنا : « كل ما له صلة بنزول الايات القرآنية ».


فيشمل كل شيء يرتبط بنزولها ، سواء كان علة وسببا أو كان بيانا وإخبارا


( 32 )


عن واقع ، أو تطبيقا نموذجيا فريدا ، أو ورد الحكم فيه لاول مرة ، أو كان مورده فيه جهة غريبة تجلب الانتباه أو نحو ذلك.


وأما الطرق التي ذكروها لتعيين أسباب النزول فهي :


1 ـ ما ذكره السيوطي بقوله : والذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه (24).


وهذا فيه تضييق لانه أخص مما يطلق عليه اسم سبب النزول عندهم ، لعدم انحصاره بما كان في وقت النزول ، بل الضروري ، هو ارتباط السبب بالاية سواء كان مقارنا لنزولها أو لا ، ويعلم الربط بالقرائن ، على أنا لا ننكر مقارنة كثير من الاسباب لنزول آياتها ، مع أن الالتجاء الى معرفة سبب النزول بما ذكره من النزول أيام وقوعه يؤدي الى انحصار معرفة سبب النزول بطريق المشاهدة بالحاضرين ، فلابد من الاعتماد على الروايات لاثباتها الا أن يكون مراده تعريف سبب النزول وهو الاظهر ، لكنه أيضا تضييق كما عرفت.


2 ـ قال الواحدي : لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب ، الا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ، ووقفوا على الاسباب ، أو بحثوا عن علمها وجدوا في الطلاب ، وقد ورد الشرع بالوعيد للجاهل ذي العثار في هذا العلم بالنار.


أخبرنا أبو ابراهيم ، اسماعيل بن ابراهيم الواعظ ، قال : أخبرنا أبو الحسين ، محمد بن أحمد بن حامد العطار ، قال : حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار ، قال : حدثنا ليث ، عن حماد ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن عبد الاعلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال :


قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : اتقوا الحديث الا ما علمتم ، فانه من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ، ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار.


والسلف الماضون رحمهم الله كانوا من أبعد الغاية احترازا عن القول في نزول الاية (25).


____________


24 ـ الاتقان ( ج1 ص116 ).


25 ـ أسباب النزول للواحدي ( ص4 ).


( 33 )


وقال آخر : معرفة سبب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا (26).


3 ـ قولهم نزلت الاية في كذا.


ان المراجع لكتب التفاسير ، وخاصة الكتب الجامعة لاسباب النزول ، يجد أنهم اذا أرادوا ذكر سبب نزول آية قالوا : نزلت في كذا ، والظاهر أن استعمال الصحابة والتابعين لهذا التعبير ، وكون المفهوم من هذا التعبير ما يفهم من قولهم « السبب في نزول الاية كذا » دفعهم على المحافظة على هذه العبارة عند بيان أسباب النزول.


ويؤيده أن الحرف « في » يستعمل فيما يناسب السببية والربط ، كما في قولك : لامه في أمر كذا ، أي من أجله وعلى فعله (27).


لكن قال الزركشي : عادة الصحابة والتابعين ان أحدهم اذا قال : « نزلت هذه الاية في كذا » فانه يريد أنها تتضمن هذا الحكم ، لا أن هذا كان السبب في نزولها ، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالاية ، لا من جنس النقل لما وقع (28).


أقول : لم تثبت هذه العادة ، بل المستفاد من عمل العلماء القرآن هو الالتزام بالعكس ، ولا بد أنهم لم يفهموا الخلاف من الصحابة أو التابعين ، بل الاغلب في موارد قول الصحابة والتابعين : « نزلت في كذا » انما هو القضايا الواقعة والوقائع الحادثة مما لا معنى له الا الرواية والنقل ، ولامجال لحمله على الاستدلال.


ولو تنزلنا ، فان احتمال كون قولهم : « نزلت في كذا» للاستدلال مساو لاحتمال كونه لبيان سبب النزول ، ولا موجب لكونه أظهر في الاستدلال.


ويقرب ما ذكرنا أن ابن تيمية احتمل في الكلام المذكور كلا الامرين : الاستدلال وسبب النزول ، فقال : قولهم : « نزلت في كذا... » يراد به تارة سبب النزول ، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الاية ، وان لم يكن السبب ، كما نقول ـ عني بهذه الاية كذا (29).


4 ـ والتزم الفخر الرازي طريقا آخر لمعرفة سبب النزول ذكره في تفسير آية


____________


26 ـ الاتقان ( ج1 ص115 ).


27 ـ لا حظ : مغني اللبيب لابن هشام ( ص224 ).


28 ـ الاتقان ( ج1 ص116 ).


29 ـ المصدر السابق ( ج1 ص5 ـ 116 ).


( 34 )


النبأ ، قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين » [ الاية 6 من سورة الحجرات 49 ].


قال : سبب نزول هذه الاية ، هو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعت الوليد بن عقبة ، وهو أخو عثمان لامه ، الى بني المصطلق واليا ومصدقا ، فالتقوه ، فظنهم مقاتلين فرجع الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : « انهم امتنعوا ومنعوا » فهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالايقاع بهم ، فنزلت هذه الاية ، واخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك.


قال الرازي : وهذا جيد ، ان قالوا بأن الاية نزلت في ذلك الوقت ، وأما ان قالوا بأنها نزلت لذلك مقتصرا عليه ومتعديا الى غيره فلا ، بل نقول : هو نزل عاما لبيان التثبت وترك الاعتماد على قول الفاسق.


ثم قال : ويدل على ضعف قول من يقول : انها نزلت لكذا ، أن الله تعالى لم يقل : « اني أنزلتها لكذا » ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينقل منه أنه بين أن الاية نزلت لبيان ذلك فحسب.


قال أخيرا : فغاية ما في الباب أنها نزلت في مثل ذلك الوقت ، وهو مثل التاريخ لنزول الاية ، ونحن نصدق ذلك (30).


ويرد عليه :


أن الظاهر منه أنه بحصر سبب النزول في أن يقول الله : « أنزلت الاية لكذا » أو يصرح الرسول بنزولها كذلك ، وكذلك يبدو منه أنه يعتبر في كون الشيء سببا للنزول أن يكون مدلول الاية خاصا به لا عموم فيه.


وكلا هذين الامرين غير تامين :


أما الاول ، فلان كون أمر ما سببا لمجيء الوحي ونزوله هو بمعنى أن الله أوحى الى نبيه من أجل ذلك ، فلا حاجة الى تصريح الله بأنه أنزل الاية لكذا.


وأيضا فانه لم نجد ولا موردا واحدا ، كان تعيين سبب النزول على أساس تصريح الباري بقوله : أنزلت الاية لكذا.


أفهل ينكر الفخر الرازي وجود أسباب النزول مطلقا؟


____________


30 ـ التفسير الكبير


( 35 )


وأورد عليه المحقق الطهراني بقوله : وأطرف شيء استدلاله على ضعف قول من يقول « انها نزلت في كذا » أن الله تعالى لم يقل « انى أنزلتها لكذا » والنبي صلى الله عليه وآله لم ينقل عنه أنه بين ذلك.


فان فهم هذا المعنى لا ينحصر في ما ذكره ، بل مجرد نزول الاية عند الواقعة مع انطباقها عليها يكفي في استفادة هذا المعنى (31).


وأما الثاني : فلان عموم الاية لغير الواقعة ، لا ينافي كون تلك الواقعة هي السبب لنزولها ، فان المراد بسبب النزول ليس هو المورد الخاص المنفرد الذي لا يتكرر ، بل قد يكون كذلك ، وقد يكون هو أول الموارد الكثيرة باعتبار عموم موضوع الاية.


بل ـ كما ذكر المحقق الطهراني ـ : ان الواقع في زمان نزول الاية كثيرة ، مع أن ذكر المقارنات لنزول الايات لا معنى له ، بل نزول الاية في الواقعة لا معنى له ، الا أنها المعينة بها ، ولو على وجه العموم (32).


والمتحصل من البحث : أن الطرق المثبتة لنزول الايات تنحصر في أخبار وروايات الصحابة الذين شاهدوا الوحي وعاصروا نزوله ، وعاشوا الوقائع والحوادث و ظروفها ، والتابعين الاخذين منهم ، والعلماء المتخصصين الخبراء ، وسيأتي البحث عن مدى اعتبار هذه الرويات في الفقرة التالية من البحث.



 

3 ـ حجية رواياتها
ان الباحث عن أسباب النزول يلاحظ بوضوح اتسام رواياتها بالضعف أو عدم القوة ، عند العلماء حسب ما تقرره قواعد علم الرجال ، بل يجد صعوبة في العثور على ما يخلو سنده من مناقشة رجالية في روايات الباب ، وكذا تكون النتيجة الحاصلة من الجهد المبذول حول أسباب النزول معرضا للشك من قبل علماء مصطلح الحديث باعتبار أن رواياتها غير معتمدة حسب اصول هذا العلم أيضا.


ونحن نستعرض هنا ما قيل أو يمكن أن يقال من وجوه الاعتراض على روايات


____________


31 ـ محجةالعلماء ( ص 258 ).


32 ـ المصدر والموضع.


( 36 )


أسباب النزول ، ونحاول الاجابة بما يزيل الشك عن حجيتها حسب ما يوصلنا الدليل ، ووجوه الاعتراض اجمالا هي :


الاول : ان روايات الباب ( موقوفة ).


الثاني : ان روايات الباب ( مرسلة ).


الثالث : ان روايات الباب ( ضعيفة ).


قالوا : ولا حجية لشيء من هذه الثلاثة.


ومع هذه المفارقات كيف يمكن الاعتماد على روايات الباب؟ وبدونها كيف لنا أن نقف على معرفة الاسباب؟


فنلذكر كلامنها مع الاجابة عليه :


الوجه الاول : الاعتراض بالارسال والوقف على الصحابة :


ان الحديث اذا اتصل سنده الى الصحابي ، ولم يرفعه الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمي « موقوفا » ، وهو مرسل الصحابي ، وبما أن الحديث انما يكون حجة باعتبار اتصاله بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكونه كلامه وكاشفا عن مراده ، فلا يكون الموقوف كاشفا كذلك ، بل لا يعدو من أن يكون رأيا للصحابي ، ومن المعلوم أنه لا حجية فيه لنفسه.


والجواب عن ذلك :


أولا : ان الصحابي انما يذكر من أسباب النزول ما حضره وشهده أو نقله عمن كان كذلك ، فيكون كلامه شهادة عن علم حسي وقضية مشاهدة ، وواقعة نزلت فيها الاية وهذا هو القدر المتقين من الروايات المقبولة في أسباب النزول ، قال الواحدي : لا يحل القولفي أسباب النزول الا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الاسباب وبحثوا عن علمها (33).


وقال آخر : معرفة سبب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا (34).


وقد عرفنا في الفقرة السابقة من هذا البحث أن من طرق معرفة أسباب النزول هي روايات الصحابة.


____________


33 ـ أسباب النزول ( ص4 ).


34 ـ الاتقان ( ج1 ص114 ).


( 37 )


اذن فما يذكره الصحابي في باب النزول انما يكون عن علم وجداني حصل عندهم بمشاهدة القضايا ، ووقوفهم على الاسباب ، فيكون اخبارهم عنها من باب الشهادة ، لا من باب الرواية والحديث.


فلابد أن يكون حجة عند من يقول بعدالة الصحابي بقول مطلق ، أو خصوص بعضهم ، من دون حاجة الى رفعها الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فهي من قبيل رواية الصحابة لافعال الرسول صلى الله عليه آله وسلم التي شاهدوها ، وحضروا صدورها منه ، فنقلوها بخصوصياتها ، فهي حجة بالاجماع من دون حاجة الى رفعها الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.


فكلام الصحابي في هذا الباب ليس حديثا نبويا كي يبحث فيه عن كونه مرسلا أولا.


وقد قيد السيوطي مرسل الصحابي المختلف فيه بكونه « مما علم أنه لم يحضره » (35) ومعنى ذلك أن ما لم يحضروه ونقله ، فلو كان فعلا من أفعال النبي صلى الله عليه وآله سمي مرسلا ، والا فلا حاجة لتسميته « حديثا » فضلا عن وصفه بالارسال ، توضيح ذلك :


ان نزاعهم في مرسل الصحابي انما هو في ما ذكره الصحابي من الحوادث التي لم يشهدها ولم يحضرها ، وأما ما يحضرها من الوقائع وشهدها من الحوادث ، فانها لا تكون داخلة في النزاع المذكور ، فان ذلك ليس حديثا مرسلا ، لان الصحابي لا يروي ولا ينقل شيئا ، وانما يشهد بما حضره ورآه ، وهو نزول الوحي في تلك الواقعة وغيره مما يرتبط بالنزول ، فلا يصح أن يقال أنه حدث وروى أو نقل شيئا عن النبي صلى الله عليه وآله ، حتى يقال أنه أرسله ولم يرفعه.


ثانيا : وعلى فرض كون كلام الصحابي في أسباب النزول حديثا مرويا ، نقول : ان حديث الصحابي ـ في خصوص باب أسباب النزول ـ ليس موقوفا ولا مرسلا بل هو مسند مرفوع.


قال الحاكم النيسابوري : ليعلم طالب الحديث أن تفسير الصحابي الذى شهد


____________


35 ـ تدريب الراوي ( ص115 ) عن المستدرك للحاكم ، ونقله في ( ص116 ) عن معرفة علوم الحديث للحاكم.


( 38 )


الوحي والتنزيل ، عند الشيخين ، حديث مسند.


قال : ومشى على هذا أبو الصلاح وغيره (36).


ومراده بالشيخين : البخاري ومسلم.


وقال النووي ـ معلقا على كلام الحاكم ـ : ذاك في تفسير ما يتعلق بسبب نزول الاية (37).


أقول : صريح كلماتهم أن حديث الصحابي في مجال أسباب النزول يعد ـ حسب مصطلح الحديث ـ « مسندا » والمراد به : ما رفع واتصل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ونسب اليه ، وان لم يصرح الصحابي بأنه أخذه منه صلى الله عليه وآله وسلم.


قال النووي : وأكثر ما يستعمل [ أي المسند ] فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، دون غيره (38).


وقال الحاكم النيسابوري وغيره : لا يستعمل « المسند » الا في المرفوع المتصل (39).


وقال السيوطي ـ معلقا على كلام الحاكم هذا ـ : حكاه ابن عبد البر عن قوم ـ من أهل الحديث ، وهو الاصح ، وليس ببعيد من كلام الخطيب ، وبه جزم شيخ ـ الاسلام [ يعني ابن حجر ] في النخبة (40).


وعلى هذا ، فتفسير الصحابي خاصة في موضوع أسباب النزول ، هو من الحديث المسند ، بمعنى أنه محكوم بالاتصال بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون مثله في الحجية والاعتبار.


ثالثا : لو فرضنا كون كلام الصحابي في هذا الباب حديثا مرسلا ، لكن ليس ـ مرسل الصحابي كله مردودا وغير حجة.


قال المقدسي : مراسيل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مقبولة


____________


36 ـ تدريب الراوي ( ص115 ).


37 ـ تقريب النواوي متن تدريب الراوي ( ص107 ).


38 ـ تدريب الراوي ( 107 ).


39 ـ المصدر ( 108 ).


40 ـ المصدر والموضع.


( 39 )


عند الجمهور ، والامة اتفت على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من أصاغر الصحابة مع اكثارهم ، وأكثر روايتهم عنالنبي صلى لله عليه وآله وسلم مراسيل (41).


وقال النووي ـ بعد أن تعرضلحكم الحديث المرسل بالتفصيل ـ : هذا كله في غير مرسل الصحابي ، أما مرسله فمحكوم بصحته ، على المذهب الصحيح.


وقال السيوطي في شرحه لهذا الكلام : « أما مرسله » كاخباره عن شيء فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو نحوه ، مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر اسلامه « فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح » الذي قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم ، وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح ، القائلون بضعف المرسل ، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى (42).


ثم ، علي فرض صدق « المرسل » على كلام الصحابي اصطلاحا ، ولو قلنا باعتبار مرسلات الصحابة تلك التي لم يحضرها ، كان القول باعتبار مرسلاتهم التي حضروها لو سميت بالمرسل أولى كما لا يخفى.


رابعا : ان الذي عرفناه في الفقرة السابقة هو انحصار طريق معرفة أسباب النزول بالاخذ من الصحابة ، لان أكثر الاسباب المعروفة للنزول انما هو مذكور عن طريقهم ومأخوذ من تفاسيرهم ، لانهم وحدهم الحاضرون في الحوادث والمشاهدون للوحي ونزوله ، فلو شددنا التمسك بقواعد علم الرجال ومصطلح الحديث ، وطبقناها على روايات أسباب النزول ، لادى ذلك الى سد باب هذا العلم.


وبما أنا أكدنا في صدر هذا البحث على أهمية المعرفة بأسباب النزول فان من الواضح عدم صحة هذا التشدد ، وفساد ما ذكر من عدم حجية روايات الباب ، ولا يكون ما ذكر في علمي الرجال والمصطلح مانعا من الاخذ بأقوال الصحابة في الباب.


الوجه الثاني : الاعتراض بالارسال والوقف على التابعين


لا شك أن ما يرويه التابعي من دون رفع الى من فوقه من الصحابة أو وصله ـ الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكون « رأيا » خاصا له ، فلا يكون حجة من باب ـ كونه حديثا نبويا ، لانه لا يدخل تحت عنوان « السنة » ويسمى ـ في مصطلح دراية


____________


41 ـ روضة الناظر ( ص112 ).


42 ـ تدريب الراوي شرح تقريب النواوي ( 126 ).


( 40 )


الحديث ـ « بالموقوف » هذا ما لا بحث فيه.


وانما وقع البحث فيما يذكره التابعي ناقلا له عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، من دون توسيط الصحابي ، فقال قوم بحجيته بعد أن اعتبروه من « السنة » و سموه « مرسلا » أيضا (43).


والوجه في التسمية هو أن التابعي والمراد به من تأخر عصره عن عصره صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يرو عنه الا مع الواسطة ـ اذا روى شيئا عنه صلى الله عليه وآله ورفعه اليه ، فحديثه مرفوع ، الا أنه ليس متصلا ، بل هو مرسل ، والواسطة محذوفة ، وهي الصحابي بالفرض ، فيكون حديثه غير مسند ، وقد وقع الخلاف في حجية مرسلات التابعي مطلقا غير ما يختص منها بأسباب النزول.


أما في خصوص هذاالباب فانهم اعتبروا الموقوف على التابعي من روايات النزول مرفوعا حكما ، وقالوا : ان ما لم يرفعه ـ في هذا الباب ـ هو بحكم المرفوع من التابعي ، وان كان مرسلا ، فيقع فيه البحث في مرسلاته.


قال السيوطي ـ بعد أن حكم بأن الموقوف على الصحابي في باب أسباب النزول بمنزلة المسند المرفوع منه ـ ما نصه : ما تقدم أنه من قبيل المسند من الصحابي ، اذا وقع من تابعي فهو مرفوع أيضا ، لكنه مرسل ، فقد يقبل اذا صح المسند اليه ، وكان من أئمة التفسير والآخذين من الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ، أو اعتضد بمرسل آخر ، ونحو ذلك (44).


اذن ، ما ورد في باب أسباب النزول عن التابعين ، يعد حديثا مرفوعا منسوبا الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو لم يرفعه التابعي اليه ، ولا الى أحد من الصحابة ، فيدخل في البحث عن حجية مرسل التابعي ثم أن مرسل التابعي ليس باطلاقه مرفوضا.


قال الزركشي : في الرجوع الى قول التابعي ، روايتان لاحمد واختار ابن عقيل المنع ، وحكوه عن شعبة ، لكن عمل المفسيرين على خلافه ، وقد حكوا في كتبهم أقوالهم (45).


____________


43 ـ تقريب النواوي المطبوع مع التدريب ( 118 ).


44 ـ الاتقان ( ج1 ص117 ).


45 ـ البرهان في علوم القرآن للزركشي ( ج2 ص158 ).


( 41 )


أقول : بل في غير المفسرين من يلتزم بحجية مراسيل التابعين.


قال الطبري : أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل على قبول المرسل ولم يأت عنهم انكاره ، ولا من أحد من الائمة بعدهم الى رأس المائتين (46).


وبين القائلين بحجية المرسل ، ثلاثة من أئمة الفقهاء ، وهم أبو حنيفة ومالك و أحمد ، أي خلا الشافعي.


قال النووي والسيوطي : « المرسل : حديث ضعيف » وقال مالك ، في المشهور عنه ، وأبو حنيفة في طائفة منهم أحمد في المشهور عنه : صحيح (47).


أقول : حتى الشافعي ـ القائل بضعف المرسل ـ يقول باعتباره في بعض الظروف ، كما سيأتي.


ثم أن المرسل لو كان ضعيفا ، فان ذلك لا يعني تركه وعدم الاخذ به مطلقا ، بل هناك طرق مؤدية الى تقويته الى حد الاعتبار.


قال النووي : فان صح مخرج المرسل بمجيئه من وجه آخر ، مسندا أو مرسلا أرسله من أخذ من غير رجال الاول ، كان صحيحا.


وأضاف السيوطي عليه : هكذا نص عليه الشافعي في الرسالة (48).


أقول : وهذه طريقة متداولة لتقوية الحديث الضعيف بواسطة الشواهد والمتابعات ، كما سنذكر ذلك في جواب الوجه الثالث التالي.


الوجه الثالث : الاعتراض بضعف روايات الباب


ان الكثير من رواة أخبار الباب ضعفاء من الناحية الرجالية ، وموهونون في نقل الحديث ، فكثيراً ما نرى هذا السند في روايات النزول «... الكلبي عن أبي صالح... » وقد نقل السيوطي عن الحاكم النيسابوري في هذا السند أنه « أو هي أسانيد ابن ـ عباس مطلقا » ويقول فيه ابن حجر « هذه سلسلة الكذب » (49).


والجواب : ان ما ذكر صحيح في الجملة ، الا أن ضعف سند حديث ما لا يعني ـ اطلاقاً ـ ضعف متنه ، فان من الممكن أن لا يكون المتن ضعيفاً بل يكون صحيحاً


____________


46 ـ تدريب الرواي ( ص120 ).


47 ـ المصدر والموضع.


48 ـ المصدر والموضع.


49 ـ المصدر ( ص106 ).


الصفحة الرئيسية